كاريكاتير وصورة

النشرة البريدية

الكلمات الدليلية:

لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
الرئيسية | الأكورة | شهادات على عصر جهة كليميم واد نون، الشهادة الثالثة: تكلفة الصراع.

شهادات على عصر جهة كليميم واد نون، الشهادة الثالثة: تكلفة الصراع.

بعد تعرضنا في الشهادتين السابقتين لمنشإ الصراع وأطرافه نتوقف يوم في شهادة جديدة حول تكلفة الصراع.

لا شك أن الصراع المحموم الدائر في جهة كليميم واد نون وحولها ومن أجلها له أوجه عديدة.

فتعطيل مؤسسة الجهة ممثلة في مجلسها المنتخب، الذي يعتبر قطب الرحى في المؤسسات المنتخبة في الجهة، وبوابة الفعل السياسي الكبرى في الجهة على المستوى التنموي، يجعلنا نتيقن أن لهذا الصراع عدة أنواع من التكلفة.

 

أولا: التكلفة المؤسساتية:

 

تتجلى لنا من خلال تعطيل مؤسسة منتخبة في مهد نظام جهوي جديد، اعتمده المغرب كمدخل مؤسساتي لمقاربة الشأن التنموي عامة، مع ما يعنيه ذلك من تعطيل لمؤسسة منتخبة عن القيام بأدوارها التنموية التي تتجلى في خدمة الساكنة، وتحسين ولوجها للخدمات الأساسية التي تعتبر حقوقا يكفلها الدستور للمواطنين بهذه الجهة. سواء كانوا ناخبين أو غير ناخبين، بل باعتبارهم مواطنين.

تلك الحقوق التي تشمل التعليم والصحة والطرق وتشييد المنشآت الحيوية لتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين.

فأن يعطل مجلس جهوي منتخب، وتحذف منه صلاحياته المؤسساتية، وتسند للجنة خاصة يرؤسها والي الجهة، وهو موظف سام، إلى جانب مجموعة من أطر الإدارة الذين يشغلون مهام رؤساء أقسام ومصالح إدارية؛ مسؤولين معينين وغير منتخبين يمثل كارثة مؤسساتية بكل المقاييس، ليس لقلة كفاءاتهم- لا سمح الله -

فهم أكفاء في مجالهم ولا شك.

ولكن هذا المجال من التسيير جعله القانون حكرا على المنتخبين وليس المسؤولين الإداريين المعينين.

ومن ثم يجعلنا هذا التعطيل، أمام وضع مؤسساتي شاذ. فهؤلاء (أعضاء اللجنة الخاصة) وجدوا أساسا لتسهيل عمل المجلس الجهوي، وتقديم الخبرة والمساعدة للمجلس الجهوي المنتخب للقيام بأدواره المؤسساتية على الوجه الأكمل في نظام مؤسساتي عادي، يقوم فيه كل طرف بدوره، من غير ضرر ولا ضرار.

من غير إلغاء لمؤسسة على حساب الأخرى، وبدون تنازع في الاختصاصات، لكون المشرع قد حسم سلفا في حصر وتحديد صلاحيات كل طرف في احترام تام للاختصاصات المحددة له  بموجب القوانين المنظمة لعمل كل مؤسسة على حدة.

 

ثانيا: التكلفة السياسية:

 

وتتمثل في وجود وضع غير صحي من الناحية السياسية.

كيف ذلك؟

الأصل في التجارب التمثيلية ومنها مؤسسة مجلس الجهة، أن يتقدم المرشحون إلى الناخبين ببرامجهم السياسية التي على أساسها، يتم التعاقد/الانتخاب بين الناخبين وممثليهم.

وبعد تشكيل المكتب، يفترض في الحالة العادية أن يحدد أولويات تنموية تشمل مخططات ومشاريع وبرامج إنمائية لفائدة المنطقة وساكنتها.

والتي على أساسها يقيم المواطنون/الناخبون الأداء السياسي لمنتخبيهم/أعضاء مجلس الجهة عبر صناديق الاقتراع.

فبعد انصرام الولاية الانتدابية للمجلس، يحاسب الناخبون منتخبيهم إيجابا أو سلبا حسب آلية الاقتراع الديمقراطية.

فإن كانت الحصيلة السياسية لمجلس الجهة إيجابية، حاز المرشحون على ثقة الناخبين مرة بل ومرات أخرى.

وإن كانت الحصيلة غير ذلك، يختار الناخبون من يمثلهم ويحقق لهم ما يصبون إليه، وهنا يملك الناخبون آلية التصويت العقابي في حال فشل المجلس في إقناعهم بحصيلة أدائه وتسييره للشأن العام بالجهة.

أما والحالة هاته، وهي أن المجلس الجهوي المنتخب معطل، فكيف سيحاسب الناخبون موظفين سامين أو غيرهم تولو تسيير الشأن الجهوي بموجب قرار التوقيف الذي يتفق الجميع أنه غير سليم وغير ديمقراطي؟؟!!!

نبؤوني بعلم إن كنتم تعلمون؟

 

ثالثا: التكلفة الديمقراطية:

 

وهي تمثل تجليا آخر لتكلفة الصراع.

 وتتجلى لنا في علاقتها بثلاثة محددات أساسية:

 

أ- التكلفة الديمقراطية في علاقتها بالدولة:

 

وتعني أن النظام الجهوي الوليد، والذي اعتمد أساسا كشكل من أشكال التدبير الديمقراطي للشأن العام، يعيش فشلا ذريعا -في حالتنا- للديمقراطية التمثيلية على المستوى الجهوي.

فما معنى أن ينتخب مجلس جهوي بطريقة حرة و "ديمقراطية" ثم يعطل من أجل سواد عيون زيد أو عمر، كأطراف سياسية متصارعة؟

ويدخل المجلس الجهوي غرفة الانتظار!

ألا يمثل تعطيل مؤسسة منتخبة كيفما كان شأنها مذبحة للديمقراطية التمثيلية؟!

فكيف إن كانت المؤسسة المنتخبة المعطلة تمثل مجلسا جهويا حديث الانتخاب في تجربة جهوية وليدة، استحدثت أساسا من أجل إحداث تغيير جوهري وغير مسبوق يروم التأسيس لنظام اللامركزية، في شكل جديد ينشد اقتسام الصلاحيات بين الدولة المركزية والجهات، وهو النظام الذي سيتعزز باعتماد نظام اللا تمركز الإداري عما قريب.

 

ب- التكلفة الديمقراطية في علاقتها بإفلاس الخطاب السياسي للأحزاب السياسية:

 

فكيف نتصور خطابا حزبيا يدعو للديمقراطية التمثيلية على المستوى الجهوي، بعد مذبحة الديمقراطية في جهتنا الاستثنائية؟؟!!

ألن يكون خطابا مفلسا وغير مقنع البتة؟

ألن يكون خطابا غير واقعي، ويفتقر للمصداقية؟

 

ج- التكلفة الديمقراطية في علاقتها بالناخبين:

 

فمن المؤكد- في نظري- أن فشل التجربة الجهوية الحالية في جهتنا سيكون له تأثير بالغ في السلوك الانتخابي.

فإما أن نرى عزوفا كاملا أو نسبيا للناخبين عن التوجه لصناديق الاقتراع كنوع من الرد على هذا الفشل، لعدم ثقتهم في جدوى الانتخابات الجهوية أصلا.

وإما أن نعيش حالة من البلقنة المقصودة عبر إغراق المشهد الانتخابي بالألوان الحزبية، ومن ثم ستفرز الاستحقاقات الانتخابية الجهوية وضعية تمثيلية معقدة من خلال كثرة الأحزاب، وهو ما سيصعب معه تكوين أغلبية منسجمة تستطيع تسيير الشأن الجهوي في ظروف سلسة وعادية.

 

رابعا: التكلفة النفسية:

 

وهي حالة من عدم الارتياح العام لجمهور الناخبين الذين يودون الترشح للانتخابات الجهوية على أساس خدمة الصالح العام، وخاصة في صفوف الشباب.

هذا الشباب الذي يتربص به التطرف، وتقض مضجعه البطالة و قلة ذات اليد، ويراوده حلم ركوب قوارب الموت، وهجر الأوطان، و يتهدده الارتماء في براثن المخدرات والجريمة، فيكون لقمة سائغة للتغرير به، فإما أن يلتقمه الحوت في عرض البحر، أو يكون مصيره السجن أو غير ذلك من الأخطار المحدقة بالشبال اليوم.

ألا يمثل فشل المنتخبين الجهويين الشباب، صخرة صلبة صماء تتحطم عليها أحلام الشباب الراغب في خوض غمار السياسة ودخول الانتخابات؟

فكلما فشل كل شاب/ إطار  تقلد مهام التسيير، إلا ويوازيه قتل لطموح العشرات من الشباب، وتقاعسهم و"كفرهم" بالسياسة وتبعاتها، وهو ما تحاول الدولة ومصالحها ومؤسساتها تفاديه عبر إشراك الشباب في الحياة السياسية العامة، عبر مخططات واستراتيجيات وسياسات وبرامج مختلفة.

وهو الحال الذي لو استمر سيسهم لا محالة في  إفراز المزيد من العزوف وعدم الثقة في السياسة لدى الشباب.

وهو وضع لا يخدم التجربة الجهوية الوليدة بأي حال من الأحوال.

 

خامسا: التكلفة الاجتماعية:

 

وتتمثل أساسا في تأقطب الساكنة في أقطاب سياسية وانتخابية على أساس اجتماعي وعرقي وإثني، مما سيهدد السلم والأمن الاجتماعيين. وسيكون له تأثير كبير على مستوى التعايش الاجتماعي والتنوع الثقافي واللسني والهوياتي بالجهة(عرب ضد أمازيغ).

 وقد  يتجلى لنا من خلال تنامي نفسية المظلومية بسبب عدم التكافؤ المجالي بين أقاليم الجهة، في الاستفادة من العائد التنموي على مستوى تدبير الشأن الجهوي، وبذلك سيكون مسمارا آخر يدق في صرح  التنمية اللامتكافئة أصلا.

 هذا الوضع النفسي المأزوم قد يفرز لنا تفاوتات مجالية وتنموية بين إقليم وآخر؛ سواء على مستوى توطين البنيات المؤسساتية خاصة على مستوى المنشآت الصحية ومنشآت التعليم العالي وغيرها.

فيفشل النموذج التنموي الجهوي في التقليل من التفاوتات المجالية، وكذا عدم تقليص الهوة بين الأقطاب الحضرية/ المدن المشكلة للجهة، وبينها وبين العالم القروي البئيس.

كل هذا ستنتج عنه مشاكل اقتصادية واجتماعية وبيئية ونفسية كبيرة على ساكنة المناطق التي لن تأخذ حظها من التنمية المنشودة.

 

سادسا: التكلفة الحقوقية:

 

لقد سبق التأكيد أن الجهوية كخيار سياسي، إنما اعتمدت من أجل إيجاد حل سياسي لمشكل الصحراء.

واعتبرت الجهوية المتقدمة التي ستشهدها جهات الصحراء، نموذجا لباقي جهات الوطن.

فماذا سنصدر حينها، ألن نصدر الفشل؟ ونؤسس لانتظارية قاتلة.

ثم إن مشروع الحكم الذاتي المنشود بالجهتين الجنوبيتين الغربيتين، إنما يأخذ شرعية التأسيس له من خلال إنجاح التجربة الجهوية الجديدة.

ألا يمثل فشل التجربة الجهوية في أرض مغربية لا نزاع حولها مدعاة للتساؤل عن الإرادة السياسية للدولة في إعطاء النموذج لإنجاحها في مناطق لها وضع سياسي خاص؟!

سيما وأن المغرب يخوض من أجل تلك المناطق مفاوضات على طاولة الأمم المتحدة، ويستقبل تبعا لذلك مقررين أميين في مختلف المجالات، وتصدر في حقه عشرات التقارير الدولية، حول مؤشرات حقوق الإنسان والتنمية والديمقراطية والولوج للخدمات الأساسية، والحكامة والتدبيرالاقتصادي والاجتماعي  والثقافي والأمني والمؤسساتي وغيرها.

طبعا لن يكون ما يقع اليوم وغدا -إن استمر هذا الواقع- في مصلحة المغرب أمميا ودوليا.

ثم كيف سنقنع من يخالفنا الرأي السياسي في الجانب  الآخر بجدوى الإصلاحات التي نقوم بها، وهي معطوبة ومأزومة منذ البدء؟!

قبل الختام لن يفوتني التأكيد على أن هذا التحليل، يأخذ قوته وراهنيته على المستوى النظري في مناخ عام يتسم بالتدافع السياسي والمنافسة الشريفة، وليس في وضع استثنائي يطبعه التردد والانتظارية وتعطيل المؤسسات التمثيلية المنتخبة.

أما على المستوى العملي/الواقعي فلا شك أن الواقع ها هنا شيء آخر تماما، والواقع لا يرتفع كما يقال.

 

خلاصة الكلام:

 

إن واقع الجهة على الأقل في التجربة الحالية، يثبت وبالملموس أن التصويت في جهتنا- وربما في غيرها-  لا يتم على أساس حزبي أو سياسي، اللهم من بعض الاستثناءات القليلة التي تعتمد التصويت على البرامج الحزبية.

أما السواد الأعظم -للأسف- فهو يعتمد  في النمط الانتخابي ككل مرشحين وناخبين، يعتمد التصويت على الشخص وليس على البرنامج الحزبي.

وأن العوامل المؤثرة في هذا التصويت تنبني أساسا  على المال والقبلية والمصالح الخاصة والشخصية، في مناخ عام يسائل تمثل الساسة لأدوارهم، ووعي الناخبين بمسؤوليتهم في ممارسة حقهم السياسي في الانتخاب.

وهو ما يسائل واقع التأطير السياسي والحزبي للأحزاب السياسية في أقاليم هذه الجهة.

وكيف أن الأحزاب السياسية جهويا تعطي الأولوية في اختيار المرشحين وتزكيتهم ضمن لوائحها على أساس من يدفع أكثر!!!

 وتغلب تبعا لذلك سلطة المال على سلطة الكفاءة والفكر والشفافية.

واقع يفرض بالضرورة على الحالمين والراغبين في تحسين وضع السياسة وتحسين مناخ الانخراط في تدبير الشأن العام الجهوي والمحلي، -قلت- يفرض الواقع على هؤلاء جميعا الانخراط في أحزاب سياسية تتحمل مسؤوليتها، وتغلب المصلحة العامة على ما سواها، وتعطي معنى أكثر إيجابية للعمل السياسي والحزبي.

وهو وجه آخر من أوجه المصالحة مع العمل السياسي الشفاف والنبيل، يقع على عاتق الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وكافة هيئات ومنظمات الفعل المدني مركزيا ومحليا، وهي التي طوقها الدستور أمانة تأطير وتوعية المواطنين، علنا نبني يوما وطنا يكون فيه المواطن بمستوى مواطن صالح، يقدس مواطنته، ويحمي حقوقه ويعي واجباته تجاه نفسه ووطنه وجهته، و يدلي بصوته في الإنتخابات للمرشح الصالح والكفؤ.

فمن العيب أن يستمر شراء الذمم، والمتاجرة بأصوات الناخبين في سوق النخاسة الانتخابية، بهذا الشكل المقيت.

واقع ليس بالهين تغييره قطعا، لكن القطع معه ليس عزيزا على النسيج الاجتماعي محليا وجهويا بمختلف  فعالياته المتعددة، والتي يجب عليها أن تتجند كل من موقعه عسى أن نحاول ربح رهان تمثيلية مشرفة، تتم على أساس اختيار الأنفع والأصلح والأكثر كفاءة ومسؤولية من المرشحين، وليس الأقرب عرقيا أو دمويا أو من يدفع أكثر.

والله من وراء القصد.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (0)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك